كتب ومقالات
   
الغلو والتطرف .. انحراف مهلك...
أسامة شحادة
الجمعة 27 مايو 2016

الغلو والتطرف والإرهاب، داء عضال تعاني منه البشرية بمختلف أديانها وأيديولوجياتها. وهو ليس حادثاً اليوم، بل قديم في التاريخ؛ ولا يقتصر على الأفراد والمجموعات، بل وجدت طوائف وفرق وتيارات فكرية ودول كاملة تتبنى الإرهاب والعنف فكراً وسلوكاً.
واليوم، يعج العالم بالتطرف والإرهاب الرسمي وغير الرسمي، الفردي والجماعي والدولي، الديني والعلماني، "المدلّل" وغير "المدلّل". لكن مِن بين كل أصناف التطرف والإرهاب، يجرى تضخيم للإرهاب والتطرف المحسوب على الإسلام والمسلمين! فمثلاً، قيام قطعان المستوطنين اليهود بمهاجمة القرى الفلسطينية وحرق محاصيل أهلها وبيوتهم وأبنائهم، لا يعد إرهاباً، بينما دفاع الفلسطيني عن أرضه وبيته وأبنائه إرهاب مُدان!
ومِن بين ما يقرب من ألفي منظمة إرهابية في العالم، هناك أقل من 40 منظمة إرهابية محسوبة على الإسلام والمسلمين، فلماذا يصور لنا الإعلام والساسة هنا وهناك أن الإرهاب في العالم إسلامي فقط، سُنّي وسلفي على وجه التحديد؟!
نعم، هناك مشكلة في العالم الإسلامي بسبب وجود جماعات إرهابية ومتطرفة وغالية، لكن نحتاج إلى أن نضعها في حجمها الحقيقي وسياقها السليم، فلا نهوّن من شأنها ولا نبالغ فيها لمآرب أخرى. ونحتاج إلى أن تكون هناك استراتيجية حقيقية وصحيحة في مقاومة الغلو والتطرف والإرهاب؛ فالواقع يؤكد تضارب الجهات التي تتكفل بذلك مع عدم الاتفاق على استراتيجية موحدة، فضلا عن الخلل بإهمال المعالجة الفكرية والدينية والتركيز على المعالجة الأمنية، أو معالجة الغلو والتطرف والتشدد الديني -بسبب الجهل غالباً- بالتطرف والغلو والتشدد العلماني من خلال الدعوة للعلمنة الشاملة وتغيير القوانين والمناهج والتحريض الإعلامي ضد الإسلام وتشجيع أفكار وسلوكيات تصادم الإسلام والأخلاق.

خطورة مشكلة الغلو والتطرف والإرهاب في عالمنا الإسلامي تتمثل في جانبين:
الجانب الأول: أن الغلو والتطرف والإرهاب انحراف مهلك عن مسار الإسلام لمن سار عليه. فالغلو والتطرف والتشدد التي يسلكها بعض الناس بحجة شدة التدين، هي معارضة ومصادمة في الحقيقة للدين نفسه! ولا يحدث الغلو والتشدد والتطرف إلا بسبب الجهل بالدين!
والغلو في البداية يأخذ طابع المبالغة في الدين والعبادة والطاعة، على خلاف مراد الله عز وجل. ولنا في قصة النفر الذي استقلّوا عبادة النبي صلى الله عليه وسلم (أي رأوها قليلة) عبرة وعظة. فإذا كان الجهل والغلو بلغ بهؤلاء إلى محاولة تجاوز أمر النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، فكيف ستكون الحال في زماننا؟! بالتأكيد سنجد من الجهلة الغلاة من يستهين بالعلماء ويتجاوز رأيهم وأمرهم، وهذا أول الطريق لاتهام الآخرين ثم تكفيرهم ثم قتالهم وقتلهم!
ومن تفحص "فقه" الغلاة؛ كتنظيم "داعش" وأخواته وأمهم "القاعدة"، سيجد بوضوح مقدار الضلال والانحراف عن سبيل الإسلام الذي تقوم به هذه الجماعات تحت راية تحكيم الشريعة الإسلامية! وإقامة دين الله في الأرض! إن هذا الفكر المنحرف لا يبني الحياة أو يسعد البشر، لأنه يصادم الدين والإسلام.
ويكفي للتدليل على مقدار انحراف الغلاة عن سبيل الله عز وجل وشريعته، مطالعة ردود الغلاة على بعضهم بعضا بالتكفير والتبديع والاتهامات. فالدواعش يضللون منظريهم الذين ربّوهم على الغلو كالمقدسي والفلسطيني، ويعتبرونهم اليوم من "أذناب الطواغيت". ومفتي "القاعدة" الأسبق أبو حفص الموريتاني، يستقيل من التنظيم لأن "القاعدة" برأيه لا تلتزم بفتاوى العلماء فيها -كحال الدول المرتدة عند "القاعدة". ود. فضل إمام منظر الغلاة الأكبر، يتهم الظواهري وابن لادن بالتلاعب بالدين، والظواهري يتهمه بالعمالة لأجهزة المخابرات بعد أن كان الشيخ الأوحد وزعيم المجاهدين!
وبسبب هذا الجهل والتضارب والتناقض بين رؤوس الغلاة، فليس من العجيب أن يتفاقم الجهل والغلو عند الأصاغر، كما تكشف ذلك مئات وحتى آلاف المقاطع على شبكة الإنترنت التي تنضح جهلاً وغباءً وتشويها لأحكام الشريعة وصورة الإسلام بطريقة عجزت عنها كل جهود أعدائه. فرفضنا للغلو والتطرف والتشدد بدايةً، لأنه انحراف عن طريق الإسلام، واتباع للجهل والضلالة حتى لو توفرت النية الحسنة. وحال الغلاة كحال أهل السفينة التي حذر من جهلهم وتهوّرهم النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها. وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على مَن فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا، وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعا" (رواه البخاري).
فالغلاة يدّعون أنهم الحريصون على إقامة الإسلام في الحياة ونصرة المستضعفين، لكنهم في الحقيقة والنتيجة بجهلهم وغلوهم وتطرفهم وتشددهم يبعدون الإسلام أكثر عن الحياة! ويفاقمون مأساة المستضعفين وبؤسهم! 
فهم جهلاء، ثم يحاربون العلماء، ثم يتسلطون على رقاب الناس بغير حق، فيسوسون الناس للهلاك. وكل من درس تجارب الغلو المعاصر تيقن أن هذه الجماعات لم تدخل بلدا إلا مزقته، ولا مجتمعا إلا فتّتته، ولا أمنا إلا بدّدته، فلم ير المسلمون منها خيراً أو بركة!  ويجب الوعي بأن موجات الغلو والتشدد لن تتوقف أبداً، ولكن ظهورها يرتبط بانتشار الجهل وتقصير وغفلة واستهانة أهل العلم ورجالات الدولة عن بعض البؤر الصغيرة هنا أو هناك، وأيضاً بتلاعب الأعداء من الخارج بهذه البؤر في المستقبل.
الجانب الثاني: لخطورة مشكلة الغلو والتطرف في عالمنا الإسلامي، هو قابليتها للتوظيف والاستخدام المدمر من قبل أطراف عديدة في الداخل والخارج. وهذا نتيجة طبيعية لجهل الغلاة؛ فيسهل التلاعب بهم وتوظيفهم وتوجيههم لتنفيذ أجندات مدمرة للمجتمعات الإسلامية تحت رايات إسلامية براقة تجذب الأغرار والسذج والطيبين من الشباب والشابات.
فأنظمة الفساد والاستبداد بعد أن استهلكت أسطوانة تعطيل الإصلاح لعقود طويلة بحجة المعركة مع إسرائيل، والقوى الإقليمية والدولية التي تعمل على استكمال السيطرة على المنطقة والتحكم بها، كلا الطرفين وجد في حكاية محاربة التطرف والإرهاب حجة ومبررا مقبولا لاستمرار سياساته ونهجه في محاربة الإصلاح وتعطيله ونهب الخيرات والسيطرة، ولزم لذلك تضخيم حكاية التطرف والإرهاب أكثر من حجمها، للجم الشعوب والمجتمعات من قبل السلطات المحلية، وابتزاز السلطات المحلية من قبل القوى الإقليمية والدولية!
وقد تبين أن تعاون نوري المالكي وبشار الأسد على ظهور "داعش" بقوة، عبر تسهيلات الفرار من سجون العراق لقادة "القاعدة"، ثم إخلاء الجيش للموصل من دون سبب، وتسليم "داعش" أسلحة بمليارات الدولارات، و500 مليون دولار نقدا من فرع البنك المركزي، جعل المعادلة أمام العالم هي الاختيار بين إرهاب الدولة الرسمي أو إرهاب "داعش"! وهو ما ساهم في تعويم بشار لليوم بمساعدة الإرهاب الإيراني أساساً.
واشتغلت الماكينة الإعلامية لحلفاء بشار لترويج مزاعم وجود حاضنة شعبية واسعة لداعش بين السنة، وهذا غير صحيح؛ فما تزال شعبية "داعش" محدودة، ولا تتقبله أكثر الجماهير والتيارات الإسلامية ولا العلماء الرسميون والمستقلون. لكن كثيرا من السلطات المحلية والقوى الإقليمية والدولية تسعى إلى تدعيش غالب المجتمعات الإسلامية بالقوة، ولعل سورية نموذج بارز لذلك، حيث يتم حصار القوى الإسلامية والوطنية وضربها وإضعافها من قبل جهات كثيرة بشكل مباشر وغير مباشر. ولعل قصف روسيا للثوار وترك "داعش" ينمو ويتوسع مثال على ذلك! وغالب السوريين الثائرين على نظام بشار هم ثائرون على "داعش" و"النصرة"، ويرفضون نهجهما الغالي، لكن هذا يعرقل مصالح بشار وحلفائه من جهة، ويتمرد على مصالح بعض أصدقاء الثورة السورية، ولا يتماشى مع أجندات إسرائيل وأميركا. لذلك، في الوقت الذي تباد فيه حلب، يتم تقويض جبهة غوطة دمشق بصراع داخلي لصالح الأسد بدعم من بعض أصدقاء ثورة سورية، ويتم توظيف "النصرة" في ذلك وغض الطرف عنها مؤقتاً، كما تغض "النصرة" الطرف عن التحالف مع من تعتبرهم المرتدين كفيلق الرحمن!
وما يجري في كثير من البلاد من تأييد الإرهاب الإيراني فيها، كإرهاب الحوثيين، وتجريم ومطاردة ومضايقة الجماعات والأحزاب الإسلامية غير الإرهابية بحجج شتى، هو سوق لكثير من الشباب قسراً لخيار "داعش"!
ومن يدقق في قضية تفجيرات أوروبا يستنكر نوعية الدواعش المتهمين فيها، فهم مدمنو مخدرات وأصحاب سوابق إجرامية وحانات، وكلهم معروفون للشرطة، بل لقد سلّمت تركيا إبراهيم البكراوي لبلجيكا بتهمة الانتماء لداعش، لكن السلطات البلجيكية أخلت سبيله، ثم شارك في تفجيرات مطار بروكسل!
ومن التوظيف الماكر لهذا الغلو ما نتج عن تفجيرات داعش في أوروبا التي لم تنتج إلا تقليل الدعم الأوروبي للثورة السورية، وزيادة فوبيا الإسلام والعداء والحصار للإسلام والمسلمين في أوروبا!  ومن التوظيف الماكر للغلو بقاء عدد من منظري الغلو يستظلون بالحريات الغربية مع توزيعهم لصكوك التكفير والتفجير، والدعاية للقاعدة والنصرة! بينما تضيق هذه الحريات الديمقراطية عن حجاب شابة أو لحية شاب في جنة الحريات الغربية!  
هذا التوظيف الخبيث من قبل بعض الأنظمة كنظام بشار والملالى بطهران والعراق، للغلو والتطرف في شرعنة الإرهاب والإجرام والطائفية ضد الغالبية السنية، هو من الخطورة بمكان. والهجوم الطائفي الآن على الفلوجة من قبل مجاميع عراقية وإيرانية ولبنانية بحجة حرب "داعش"، هو مثال صارخ على توظيف "داعش" لتدمير حواضر أهل السنة وإبادتهم بشكل مقصود، فبينما تحرك اللوبي الإيراني في إدارة أوباما لحماية إيران من حرب مدمرة كما حدث للعراق منذ العام 2003. يقوم الحلف الإيراني الطائفي بتدمير مدن السنة تدميراً مقصوداً يستهدف المساجد والمدارس والجامعات والمستشفيات والأسواق وكل شيء!  
كما أن توظيف الغلو والتطرف والإرهاب لزعزعة استقلال ما تبقى من دولنا ومجتمعاتنا وفرض أجندات ثقافية علمانية عليها، وللحصول على تنازلات من القوى الإسلامية والوطنية في مفاوضات جنيف وأمثالها من قبل القوى الدولية، لهو جريمة بشعة، تعيد تنفيذ جريمة سرقة تحرر الشعوب من ربقة الاستعمار قبل عدة عقود، حيث تم الالتفاف على تطلعات الشعوب بالاستقلال والكرامة والحرية والتنمية بفرض نخب وقيادات في كثير من الدول، تمثل المحتل الراحل أكثر مما تمثل تطلعات الشعوب التي ثارت من جديد على البؤس والفساد، ولكن يتم ترويضها بتوظيف الإرهاب والغلو والتطرف هذه المرة!
الخلاصة: الغلو والتطرف والتشدد انحراف مهلك للدين في الدنيا والآخرة، وخدمة للأعداء بما يدمر واقعنا وحياتنا.

 
 

 

 

 

 

          Bookmark and Share      
 
الغلو والتطرف .. انحراف مهلك وتوظيف مدمّر!
الاسم:  
نص التعليق: 
 
   Refresh
 
 
تنويه: يتم نشر التعليقات بعد مراجعتها من قبل إدارة الموقع